الشيخ عباس القمي
236
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
والانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . ( 1 ) فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرح بسلامة جعفر عليه السّلام ومتعجّب مما أراد المنصور وما صار إليه من أمره فلمّا صرنا في الصحن قلت له : يا ابن رسول اللّه انّي لأعجب مما عمد إليه هذا في بابك وما أصارك اللّه إليه من كفايته ودفاعه ولا عجب من أمر اللّه عز وجل وقد سمعتك تدعو في عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو الّا انّه طويل ورأيتك قد حرّكت شفتيك هاهنا - أعني الصحن - بشيء لم أدر ما هو . ( 2 ) فقال لي : أمّا الأول فدعاء الكرب والشدائد لم أدع به على أحد قبل يومئذ ، جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي لأنّي لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به ، وامّا الذي حرّكت به شفتي فهو دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوم الأحزاب ثم ذكر الدعاء . ( 3 ) ثم قال : لولا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال ولكن قد كنت طلبت منّي أرضي بالمدينة وأعطيتني بها عشرة آلاف دينار فلم أبعك وقد وهبتها لك ، قلت : يا ابن رسول اللّه إنمّا رغبتي في الدعاء الاوّل والثاني فإذا فعلت هذا فهو البرّ ولا حاجة لي الآن في الأرض ، فقال : انّا أهل بيت لا نرجع في معروفنا ، نحن ننسخك الدعاء ونسلّم إليك الأرض ، . . . وأملى عليّ دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأملى عليّ الذي دعاه بعد الركعتين . ( 4 ) قال : فقلت : يا ابن رسول اللّه لقد كثر استحثاث المنصور واستعجاله ايّاي وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهّلا كأنّك لم تخشه ؟ قال : فقال لي : نعم كنت أدعو به بعد صلاة الفجر بدعاء لا بدّ منه ، فأمّا الركعتان فهما صلاة الغداة خففتهما ودعوت بذلك الدعاء بعدهما ، فقلت له : أما خفت أبا جعفر وقد أعدّ لك ما أعدّ ؟ ! قال : خيفة اللّه دون خيفته وكان اللّه عز وجل في صدري أعظم منه . ( 5 ) قال الربيع : كان في قلبي ما رأيت من المنصور من غضبه وحنقه على جعفر ومن الجلالة له في ساعة ما لم أظنّه يكون في بشر ، فلمّا وجدت منه خلوة وطيب نفس ، قلت : يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا ، قال : ما هو ؟ قلت : يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك